“سطات”… قصة مدينة مغربية “هبطت من السماء” – كشبريس
“سطات”… قصة مدينة مغربية “هبطت من السماء”
By Kech Press On 10 ديسمبر, 2017 At 11:18 صباحًا | Categorized As الثقافية | With 0 Comments

كشبريس

بإحساس مرهف مشبع بالحنين إلى مراتع ذكريات الطفولة والصبا والشباب، وبأسلوب تغلب عليه النبرة العاطفية في الكتابة، يعود الكاتب والباحث المغربي شعيب حليفي إلى مسقط رأسه في مدينة سطات، عاصمة الشاوية ذات السهول الخصبة الممتدة على بعد النظر وسط الخضرة، خاصة في فصل الربيع، ليغوص عميقًا وسط هذه المنطقة، من خلال إصداره كتابًا جديدًا، يستحضر فيه الكثير من الشخوص والأمكنة، بشكل يكاد المتلقي أن يشم من خلاله رائحة الأرض بين السطور.

في الكتاب الجديد يستعرض حليفي ملامح تاريخية وجغرافية متعددة عن معالم هذه المدينة، الكائنة في الطريق بين الدار البيضاء ومراكش، والتي تسكنه في حله وترحاله، ويموت فيها عشقًا لحد الذوبان فيها، وكأنها صارت جزءًا من كيانه، وعنوانًا لوجوده.

أهدى حليفي كتابه إلى شخصيتين أساسيتين في حياته، الأول الأب محمد بن عبد السلام، “أب جيل كامل من البسطاء والفلاحين والرجال، وصديق معلم حكيم، أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة،” والثاني محمد نوبير الأموي، النقابي المعروف، واصفًا إياه بأنه ” روح أحلامنا الباقية”.

المدينة والرحم

في مثل هذا الشهر، دجنبر 1964 م، أبصر حليفي النور في سطات التي ترتبط في الذاكرة الشعبية المغربية، اعتبارًا لشساعة سهولها وخصوبتها، بكونها واحدة من بين أكبر مراكز الإنتاجات الفلاحية في المملكة المغربية.

الإصدار الجديد عبارة عن باقة مختارة من بين عشرات النصوص الأدبية التي يقول الكاتب إنه كتبها عن سطات وعلاقته بها، “مدينة ورحمًا”، ونشرها في فترات زمنية مختلفة، من دون أن تكون له نية ضمها بين صفحات كتاب، وقد استبعد أكثر من النصف، وأبقى على ما اعتبره منسجمًا، ويقر بمعنى الكتاب، “لعله يفيد في تاريخ ودمج خيالي مع خيال المكان”.

في تقديمه للكتاب الصادر من منشورات “القلم المغربي” بالدار البيضاء، والمتضمن لفصلين، كل فصل يتكون من سبعة نصوص بعناوين دالة ومغرية، يعترف حليفي: “إني في كل ما كتبتُه وما سَأكتبُه، خِلال مَا مَضى مِن حياتي وما سيأتي، من حروف زُفّتْ إلى قلبي وروحي.. لم يكن إلا تأريخًا شاهقًا لصورة سَطات التي اكتسبت اسمها من ستة عشر عالمًا شهيدًا، كما من نعت “الزطاطة” وهم يُؤَمِّنونَ العبور، سواء في رقعتها الجغرافية الصغيرة أو في صورتها التي تحملها مجازًا أسماء: الشاوية، تامسنا، تامزغا، الجنة، جهنم… الرقعة التي ستبقى حينما يفنى العالم.. وعَبْرَها سيخلق الله، رب العالمين، عالمًا جديدًا يَعْبُرُ يوميًا في أحلامنا فقط، ويتمنى فقط لو أن الله يُعيدهم إلى صورتهم الأولى”.

الاسم والمعنى

لا ينسى هذا الكاتب العاشق المتيم بحب سطات أن يتوسع كثيرًا في اسمها ولونها وروحها وتاريخها، مشيرًا إلى أن “كل شيء فيها يحتمل التناسل والخصوبة بدءًا من إنتاج القمح والشعير إلى توليد الحكايات وإلباسها للتاريخ المحلي الحافل بكل أنواع البطولات والكرامات”.

في هذا السياق يقول: “يتمدد الخيال في البحث عن الجذر الضائع لاسم سطات بين رقم واسم علم، واحتمال ثالث غير مستكنه بعد. بالنسبة إلى الرقم 16 (سادس عشر) والذي ينطق في الدارجة المغربية “سطاش”، يقال إنه تحول إلى سطات تخفيفًا لنسيان الموت الذي طال الستة عشر عالمًا في ظروف ما، خلال القرن السادس عشر”.

“وقد يكون اسم سطات أيضًا، يضيف المؤلف، من اسم العلم “زطاط”، وهو لقب كان يطلق على الشخص النبيل والشجاع، المشتغل بحماية الركب والقوافل من مكان إلى آخر بمقابل. وظيفة ذات دلالة في فترة تاريخية، استعاد فيها المكان قدرته على أن يكون جسرًا للحفاظ على الحياة، كما قد تكون جمعًا للكلمة الأمازيغية “سيط” أو “تيط”، وتعني عين الماء، وتجمع على سطات”.

بالنسبة إليه، “لا توجد مدينة تشبه سَطَّات، في ترابها وشمسها وفجرها وغروبها وهمس أوليائها المتحقق في النفوس الواسعة. في التفاتات أهلها وتنهيداتهم التي تُسمع على الدوام خريرا مرة وهديرا مرات: بل تتحول تلك التنهيدات الحارة إلى رياح ورعود تهز أرضًا لا شبيه لها على امتداد الأرض، ربما في عالم آخر.. نعم، لأنها اسْتِعَارَةٌ هاربة تُناظرُ هبوب تاريخ طويل من عشرات القرون، قبل أن يُعَفِّرَ البُورْغواطيُّون دِمَاءهُم الطاهرة بِتُرابِها ويهبون أرواحهم بسخاء للحياة القادمة”.

مشهد الجنة

إن حليفي هنا يتحدث عن قصة وتاريخ سطات كـ”مدينة هبطت من السماء،”، مضيفًا أن اسمها جاء “محمولًا على بساط حكاية أقرب إلى أساطير المدن المقدسة”: “مُنذ ذلك التاريخ المُبكر والغارق في سَهْوٍ باذخ، أصبحت رقعة هذه الأرض قناةً بين عالمين  ومملكتين، فاس ومراكش، يسكنها نفر غير متجانس من البشر، من أجدادنا “رْجَال المْزامْزَة”: ثوار خذلتهم الحروب، وفقهاء أضاعوا النبوة، وعُلماء يكتبون، في تلك الفترة الفاجرة، عنا نحن الآن، بأظافرهم المنزوعة ومن دواة فارغة”.

يذهب في التغزل مدحًا بمدينة مسقط رأسه، إلى حد بعيد، فيكتب: “سطات مدينة ليس لها مثيل في العالم، صورة بالأبيض والأسود، ولو وجدت من يعتني بها لأصبحت مشهدًا من الجنة التي وعدنا الله بها. مكان ذو هواء صحي لارطوبة فيه، محاط بأجود الأراضي الفلاحية، مناخها ممطر شتاء، وصاهد صيفًا. يتوسطها نهر، ويسكنها أناس يجسدون التعددية الكاملة لكل القبائل المغربية من الشمال إلى الجنوب”.

يذكر أن هذا ليس أول كتاب لشعيب حليفي، الباحث والناقد، والأستاذ الجامعي، ومدير مختبر السرديات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك في مدينة الدار البيضاء، فقد أصدر من قبل مجموعة من الروايات، منها “مساء الشوق”، و”زمن الشاوية”، و”رائحة الجنة”، و”مجازفات البيزنطي”، و”لا أحد يستطيع القفز فوق ظله”، و”كتاب الأيام، أسفار لا تخشى الخيال”، و”تراب الوتد”.

وفي مجال النقد، أصدر مجموعة من المؤلفات، وضمنها: “شعرية الرواية الفانتاستيكية”، و”الرحلة في الأدب المغربي: التجنيس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل”، “هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل”، و”عتبات الشوق”، وثقافة النص الروائي”.

أضف تعليقا بالموقع