لأول مرة.. أسرار الليلة الأخيرة لـ«صدام حسين » – كشبريس
لأول مرة.. أسرار الليلة الأخيرة لـ«صدام حسين »
By Kech Press On 1 يناير, 2018 At 02:30 صباحًا | Categorized As الدولية | With 0 Comments

 

كشبريس : بقلم الصحفي العراقي  د رائد العزاوي
التقيت صدام حسين ٣ مرات، كانت الأولى عام ١٩٨٨ عندما كان يتجول فى بغداد بسيارته «المرسيدس» البيضاء، وفى المرة الثانية كنت الصحفى العربى الوحيد، الذى قابله فى مطار بغداد الدولى، حيث «معتقل كوبر» الأمريكى، الذى استجوبته فيه القوات الأمريكية.
كان اللقاء الثانى فى أوائل فبراير ٢٠٠٤، فبعد فترة قليلة من اعتقاله شرع مكتب التحقيقات الفيدرالى بالتحقيق مع صدام، وحمل برنامج التحقيق اسم عملية «عقرب الصحراء» (Operation Desert Spider)، وقد دعينا أنا وعدد من الصحفيين لمشاهدة صدام حسين، بينما منع الجنود الأمريكان التصوير.
أما اللقاء الثالث فكان فى ١٩ أكتوبر ٢٠٠٥ فى المحكمة الاتحادية القريبة من ساحة بغداد بالمنطقة الخضراء، وكان صدام حسين شديد الملاحظة، وبعد أن وصل برفقة مجموعة من الجنود الأمريكان وهو مكبل، وكنا كصحفيين نقف أمام باب المحكمة دون كاميرات، وقف يستطلع الوجوه، ثم ركز بعينيه تجاهى وتجاه الزميل الصحفى أحمد صالح، مراسل قناة «العربية»، وكنا العراقيين الوحيدين اللذين سُمح لهما بالدخول إلى أول جلسة، ووجه لنا كلمات لن أنساها أبدا: «أنتم عراقيون وصحفيون عليكم أن تدافعوا عن بلدكم بالكلمة».
تناول «وجبة أرز ودجاج» وشرب كوبًا من «الماء والعسل» قبل التنفيذ
صادف يوم إعدام صدام ليلة عيد الأضحى، العاشر من ذى الحجة، الموافق ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٦، وقبل لحظات التنفيذ لم يبد على الرجل الخوف أو التوتر، ولم يقاوم أو يتصدى للرجال الملثمين، الذين يقتادونه إلى حبل المشنقة، وفى لحظة الإعدام هتف الذين حوله من الشيعة «مقتدى، مقتدى، مقتدى» ويعنون السيد مقتدى الصدر، لكن صدام رد باللهجة العراقية «هى هاى المرجلة».
تناول صدام حسين قبيل إعدامه، وحسب أكثر من رواية، وجبته الأخيرة، وكانت عبارة عن طبق من الأرز والدجاج، وشرب كوبًا من العسل بالماء الساخن، وهو الشراب الذى يقال إنه اعتاد تناوله منذ أيام طفولته، وطلب أن يحضر محاميه خليل الدليمى وأعطاه وصيته، وهى عبارة عن ٥ صفحات بخط اليد، وطلب أن تسلم إلى ابنته، بالإضافة إلى المصحف، الذى كان يحمله طيلة أيام محاكمته وسجنه.
فى لقاء خاص جمعنى بموفق الربيعى، وهو الشخص الذى سحب الحديدة من أسفل قدمى صدام وأعدمه، عام ٢٠١٢ فى منزله بحى الكاظمية، كان يضع الحبل الذى تم شنق صدام حسين به فى وسط صالة الضيوف، وهنا حدثنى عن آخر ليلة لصدام حسين قبل تنفيذ حكم الإعدام.
قال الدكتور موفق الربيعى: «كنا مجموعة صغيرة جدًا ممن حضروا الإعدام، قبلها كان صدام قد وصل عبر طائرة مروحية أمريكية من سجنه إلى الشعبة الخامسة، وهى بالمناسبة قريبة من بيت موفق الربيعى، حيث دائرة الاستخبارات العسكرية، وتم إدخال صدام إلى غرفة صغيرة وتُلى نص حكم الإعدام عليه، وعند سؤاله عما إذا كان خائفًا؟ رد صدام بالنفى، قائلًا إنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ أن وصل إلى الحكم، لأنه كان يدرك أن لديه الكثير من الأعداء».
وهنا سألت الربيعى عن سر ترديد الهتافات باسم مقتدى الصدر، فقال الربيعى لم يكن السيد مقتدى الصدر موجودًا أثناء تنفيذ الحكم، وربما يكون من ردد هذه العبارات من عناصر جيش المهدى، فهم من حرس السجن، وكان معنا رجل دين سنى، وهو الشيخ محمد المشهدانى، وهو إمام لجامع الشواف.
ويذكر الربيعى أن صدام رفض تقييد رجليه، لأن ذلك لن يسمح له بالصعود على أدراج منصة الإعدام، فرد الحرس عليه بالقول: «اذهب إلى الجحيم»، فتدخل القاضى ليؤكد أنه لن يسمح للحراس أو الشهود بالتحدث. وأضاف الربيعى أنه «شاهد فى هذه اللحظة اثنين من المسئولين الحكوميين يلتقطان صورًا لصدام عبر هاتفيهما الجوالين، ولم يستمر الإعدام أكثر من دقيقة واحدة، عُلق فيها صدام حسين، وأثناء فتح الأبواب ارتطم رأس صدام بالبوابات الحديدية، ولم يستمر طويلًا وفارق الحياة بعد دقيقتين، وسرعان ما انقطع الحبل وسقطت الجثة، وهنا تحركنا جميعًا لمشاهدة الجثة، وفحص طبيب السجن، واسمه على ما أذكر، عبدالرضا، الجثة، وأكد وفاته، وفحصت أنا نبض القلب فوجدته متوقفا، لكن بعض الدماء كانت تسيل من جبهته، وجرى وضعه فى كيس مخصص لنقل الجثث، وغسّله رجل دين، وفقًا للتعاليم الإسلامية».
وتابع: أثناء إتمام إجراءات الغسل صدمتُ، حين وجدت أن الجانب الأيسر من جسد صدام ملىء بالدم، وعندما تفحصت الجثة، وجدت أنها طعنت عدة طعنات بخنجر، وطلبت من أحد أبناء العمومة، وهو طبيب، أن يفحص موضع الطعنات، فأكد أنها طعنات بآلة حادة».
ابنته طلبت دفنه فى الأردن.. فصرخ المالكى: «تريدون جعله شهيدًا وتقيمون له سرادق عزاء؟»
التقيت كذلك حفيد صدام حسين، وهو السيد «سيف رافع أدهم إبراهيم الحسين»، ومن ترتيب الأسماء نجد أن والد سيف هو رافع ابن أدهم، شقيق صدام حسين، ووالد سيف كان آخر أفراد حراسة صدام حسين، ممن رافقه قبل احتلال بغداد بساعات واُعتقل من قبل القوات الأمريكية، لكن أُطلق سراحه بعد اعتقال صدام، وهرب إلى إحدى الدول الأوروبية.
يقول سيف: «عقب الإعلان عن الإعدام كان والدى خارج العراق، وذهبت أنا وشيخ العشيرة الشيخ على الندا، برفقة محمد القيسى، محافظ صلاح الدين، إلى بغداد، وهناك طلب منا نورى المالكى شخصيًا أن ندفن الرئيس صدام حسين فى بغداد، وقال اختاروا له مقبرة هنا، لكننا رفضنا ذلك».
تدخل القيسى وقال للمالكى: إن ابنته رغد تريد نقل الجثمان إلى الأردن، فغضب المالكى، وبدأ بالصراخ قائلًا: «تريدون أن تجعلوا من صدام حسين شهيدًا وتقيمون له سرادق عزاء.. هذا بعيد عن شواربكم»، وتركنا – والكلام هنا لسيف- وذهب وجلسنا ننتظر نحو ساعتين لم نتلقَ أى رد، وأجرت السيدة رغد صدام حسين اتصالًا آخر بالشيخ على الندا، لكنه لم يعطها ردًا، لأن الحكومة العراقية مصرة على دفن صدام فى بغداد، لكن السيدة رغد رافضة.
يقول: «دخل شيخ العشيرة على الندا فى مفاوضات شاقة وطويلة استمرت منذ الساعة ١١ صباحًا وحتى الساعة ٩ مساءً، واستطعنا فى نهاية المطاف إقناع مساعدى المالكى بإعادة الجثمان إلى قرية العائلة فى العوجة قرب تكريت، لكن وفق شروط محددة، وهى أن يتم الدفن ليلًا، وأن تتولى شرطة المحافظة منع تواجد أعداد كبيرة من الناس، وإلزام محافظ المدينة بذلك».
تم نقل الجثمان وتحركنا فى الساعة ١١ ليلًا، ووصلنا إلى تكريت ثم العوجة فى الساعة ١ صباحًا، كان هناك العشرات من شباب القرية الذين حفروا قبرًا لصدام، و٣ قبور تبعد نحو ١٥ مترًا لعدى وقصى ومصطفى، ابن قصى، الذين قتلوا على يد القوات الأمريكية».
تمت الصلاة على الجثمان عقب صلاة الفجر، ثم تم دفن صدام أولًا، بينما كانت رفات كل من عدى وقصى ومصطفى مسجاة بالقرب من والدهم، وتمت الصلاة عليهم جميعًا، كانت نعوش عدى وقصى ومصطفى من الألومنيوم أو الستيل الشديد القوة، وكانت مغلقة منذ أن جاءت بها قوة أمريكية وسلمتها فى عام ٢٠٠٣.
يقول سيف: «كانت المدينة مغلقة بالكامل وتم إغلاق منافذ البلدة لحين الانتهاء من الصلاة عليه ودفنه فى قاعة المناسبات الكبرى. بينما حضر المئات من وجهاء وشيوخ القبائل فى عموم العراق، واستمر مجلس العزاء نحو أسبوع، وظلت المحال التجارية بالمدينة مغلقة ولم تفتح أبواب المدارس لمدة عشرة أيام».
وأقامت جماعات متفرقة فى تكريت والمدن السنية حفلًا لتأبينه، وأقيمت مجالس العزاء فى عدة مناطق، خاصة فى منطقة الأعظمية فى بغداد التى تعتبر أهم معاقل السُّنة، وخرج البعض فى مظاهرات استنكارية راح ضحيتها المئات بين معتقل وقتيل، فيما تم تأبينه فى عمان بالأردن بمظاهرة كبيرة شاركت فيها ابنته رغد صدام حسين ومعظم القوى السياسية القومية والإسلامية، وجرى تأبينه فى معظم العواصم العربية والإسلامية والأراضى الفلسطينية، ورثاه أكثر شعراء العرب ومفكريه، واعتبروا أن طريقة ووقت إعدامه محض استفزاز وتنكيل بالقادة العرب.
ويقول سيف رافع: «بعد ذلك تم دفن عدد من معاونى صدام حسين ومنهم طه ياسين رمضان، وعواد البندر، وأعمامى كل من برزان ووضبان وسبعاوى الذين حكمت عليهم المحكمة بالإعدام ونفذ فيهم، لكن جميع هؤلاء دفنوا خارج القاعة بالقرب من قبرى عدى وقصى، وأصبحت المقبرة تسمى بمقبرة الشهداء».
يقول حفيد صدام حسين، إن المقبرة كانت تُحرس من قبل أبناء القبيلة، وكان هناك اهتمام كبير بها، لكن المقبرة تعرضت لمحاولة هجوم فاشلة فى عام ٢٠٠٩ حين كان العراق يعيش فوضى الحرب الطائفية، لكن سرعان ما تدخل شباب القبيلة، وتم طرد قوة كانت تطلق على نفسها «ألوية الحسين»، حاولت تدمير القاعة التى دفن فيها الرئيس صدام، لكن تدخُل رجال الشرطة وعدد من أبناء القبائل الأخرى فى المحافظة حال دون ذلك.
ويضيف: «وفى منتصف يونيو ٢٠١٤ اُحتلت المدينة من قبل تنظيم «داعش» الإرهابى، وغادر أغلب حراس المقبرة المكان، لكن عناصر تنظيم داعش لم يحاولوا أن يقتربوا من قاعة المدفن، وكنا قد حذرناهم فى أكثر من مناسبة من أى عمل تخريبى للمكان، لكن المكان تعرض فى الفترة من ديسمبر ٢٠١٤ حتى فبراير ٢٠١٥ لقصف شديد من قبل الميليشيات الشيعية التى كانت تحارب إلى جانب القوات العراقية».
وروى سيف قصة نقل رفات صدام حسين إلى الأردن قائلًا: «تم استدعائى أنا و٥ من أبناء عمومتى فى ليلة من ليالى شهر نوفمبر ٢٠١٤ إلى منزل أحد الأعمام فى مدينة العوجة، وهناك أجريت مجموعة من الاتصالات، عرفت من خلالها أن هناك ترتيبًا ما يجرى بين قبيلة صدام فى العوجة وابنته ومؤيديه فى الأردن، ولم أفهم شيئًا فى البداية لكن طُلب منى تأجير ٣ سيارات (GMC) وأن يكون السائقون من أهل الثقة، ومن أهل تكريت، وبالفعل تم خلال يومين تدبير موضوع السيارات، وكنا جميعًا فى بيت جدى فى العوينات القريبة من العوجة، وفى منتصف الليل تحركنا ومعنا معاولنا وفئوس إلى حيث (مقبرة الشهداء) وهناك بدأنا فى حفر قبر الرئيس صدام وحفر القبور الثلاث لعدى وقصى ومصطفى، وكان دورنا هو الحفر فقط بينما استكملت مجموعة أخرى عملها بعد أن خرجنا منسحبين إلى منازلنا».
فى اليوم الثانى تحرك موكب الجثامين باتجاه الصحراء بين الموصل وصلاح الدين، وكان هناك عدد من شباب ناحية العلم، يقومون بحراسة الرتل، لكن كان على السيارات ألا تسير نهارًا خشية استهدافها، واستمرت بالتحرك لنحو ٤ أيام، وكان أبرز الصعوبات هى الخوف من استهداف الطائرات للسيارات، وأيضًا الخوف من أن يستولى عناصر «داعش» على السيارات.
تم نقل الجثامين بسرية تامة عبر مناطق صحراوية، وربما يكون ذات الطريق الذى سلكه صدام حسين عندما هرب من العراق عام ١٩٥٩. فالمسافة تقدر من العوجة حتى مدينة عمان بنحو ١٠٠٠ كلم، وتمر بصحارى وعرة وجبال من الصحراء المتحركة عند الحدود بين الأردن والعراق وسوريا، لكنها عملية ليست سهلة حسب سيف، الذى قال: «لقد تعرض موكب الجثامين إلى معوقات كثيرة وخطيرة أبرزها وجود قوات عراقية تابعة للحكومة فى بغداد، بالإضافة إلى عناصر تنظيم داعش، والقوات الأردنية، كانت رحلة صعبة وغير آمنة».
وفى مارس ٢٠١٥ تداول النشطاء فيديو لمجموعة من المقاتلين قيل إنهم ينتمون إلى «الحشد الشعبى» وهم داخل قبر صدام حسين، وقد هدم وأحرق بالكامل، وقيل إنهم نبشوا القبر، وحين كنت فى زيارة إلى العراق عام ٢٠١٦ التقيت أحد الأفراد الذين ظهروا فى الفيديو، رفض الكشف عن اسمه، وكنى نفسه بـ«أبومجاهد» قال لى: «حفر الإخوة القبر لكنهم لم يجدوا شيئًا ربما تكون جثة صدام قد تحللت». لكنى سألته: لم تجدوا حتى بقايا هيكل عظمى؟ فرد علىّ بالنفى.
وخلال زيارتى عمان فى أغسطس عام ٢٠١٥ حاولت أن أتأكد من نقل رفات صدام إلى الأردن، وبالفعل تواصلت مع مجموعة من الصحفيين المقربين من أسرة السيدة رغد صدام حسين، ومع عدد من الشخصيات السياسية العراقية المقيمة فى عمان، والجميع رفض أن ينفى أو يؤكد هذه المعلومة، لكن الجميع وخصوصًا من القياديين البعثيين كانوا أكثر اطمئنانًا إلى أن الجثمان فى مكان آمن.
وفى سؤال لإحدى الشخصيات المقربة من السيدة رغد صدام حسين، قال لى إن رغد تزور، كل خميس، مقبرة شهداء العراق فى الناحية الجنوبية من العاصمة الأردنية عمان، دون أن يرافقها أى شخص، بالإضافة إلى الأعياد والمناسبات الدينية، فيما قال لى سيف رافع أدهم، إن الأسرة قررت ألا تفصح عن مكان جثمان صدام حسين خشية أن تتعرض لمشكلات جديدة، خاصة أنها تقيم فى بلاد الشتات ومطادرة من هنا وهناك، ولكننا نقيم احتفالًا تأبينيًا فى يوم ٣١ ديسمبر من كل عام، نستذكر فيه الرئيس صدام حسين رحمه الله.
وكان آخر ما قاله لى حفيد صدام: «إذا كان جدى صدام حسين مدفونًا فى عمان أو صنعاء أو القاهرة أو دمشق أو طرابلس أو فى تكريت، فسيبقى مدفونًا فى قلوب محبيه وكارهيه على حد سواء».

أضف تعليقا بالموقع